حيدر حب الله
211
شمول الشريعة
والنتيجة : إنّ نصوص أهل البيت هنا تريد أن تؤكّد الوفرة في النصوص والكفاية بما لا يحيج إلى منهج القياس أو اجتهاد الرأي عموماً ، وهذا يعني أنّ هذه المجموعة من النصوص هنا وسائر نصوص النهي عن القياس ، تريد إثبات مرجعيّة أهل البيت ، بمعنى أنّ استعمالكم القياس لم يكن صحيحاً ؛ لأنّ القياس فرع عدم وجود مصدر المعرفة بالشرع ، وهو النصّ ، والمفروض أنّ الإمام موجود ، وبيده النصوص التي وصلته من النبيّ ، والمنهج السليم في فهمها ، فذهابكم إلى القياس مشكلته الأساسيّة تغييبكم الإمام ، وهذا معناه أنّه قد نُهي عن القياس لإثبات مرجعيّتهم ، لا لأمر آخر « 1 » . وعليه ، فهذه المجموعة من النصوص تريد تكريس وفرة النصوص للاستغناء عن القياس ؛ للوصول إلى الحكم المفروض سلفاً وجوده في الواقعة ، لكن لو تأمّلنا النصّ الصحيح السند هنا ، والذي تعرّض لقضيّة القياس ، سنجد - وفقاً لهذا السياق - أنّه صار بالإمكان فهمه في إطار وفرة النصوص لا في إطار شموليّة الشريعة ، فلنلاحظ مرّةً أخرى صحيحة سماعة حيث تقول : سألته فقلت : إنّ أناساً من أصحابنا قد لقوا أباك وجدّك وسمعوا منهما الحديث ، فربما كان الشيء يبتلي به بعض أصحابنا وليس عندهم في ذلك شيء يفتيه ، وعندهم ما يشبهه ، يسعهم أن يأخذوا بالقياس ؟ فقال : « إنّه ليس بشيء إلا وقد جاء في الكتاب والسنّة » ، فالعموم الموجود في الجواب الأخير ، ليس متصلًا بعلاقة الشريعة بالوقائع قهراً ، بل كأنّه يقول : كلّ ما هو دين وتبحثون عن موقف شريعة السماء فيه ، فهو موجود في الكتاب والسنّة فلا تذهبوا
--> ( 1 ) يفهم بعض المتأخرين من هذا أنّه يُنتج مشروعيّة القياس في عصر الغيبة ، حيث تظهر المشكلة من جديد ، ولا نريد أن نخوض في تفصيل وجهة النظر هذه ، لكن نريد أن نقول بأنّ مجموعةً لا بأس بها من النصوص التي تقدّمت حتى الآن تدلّ على أنّ الكتاب كان حاوياً لكلّ شيء أو أنّ الكتاب وسنّة النبي كذلك ، لا سيما إذا بنينا - كما هو الصحيح - على أنّ أهل البيت لا يشرّعون ، بل يفسّرون شرع الله في كتابه وسنّة نبيه ، فهذا معناه أنّ نصوصهم لن تضيف تغطيةً جديدة لم تكن من قبل حتى يكون عدم الرجوع إليهم في نتيجته تحصيلًا لكمٍّ أقلّ من النصوص الأصليّة . ومع ذلك ، يمكن الأخذ بهذه الفكرة احتمالًا بأحد الأوجه ، بأن يكون المراد أنّ مشكلتكم في فهم الكتاب والسنّة ، وأنّكم لم تفهموا كيف تؤخذ منهما الأحكام كلّها ، ولهذا لجأتم للقياس ، فنحن ننهاكم عن القياس ، بما يعني لفت نظركم إلى أنّ ترككم للعترة سبّب لكم خللًا في فهم الكتاب والسنّة ، ولو رجعتم إليهم لكان يمكن حلّ هذا الخلل ، ورفع أسس الحاجة بعد ذلك إلى القياس .